توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة
وعودة ظاهرة حزب دولة
جريدة الاتحاد الاشتراكي
مكتب الرباط: عبد الحق الريحاني
وفي نفس الوقت انتقدنا الهيئة بحكم النواقص التي ميزت الإعلان عنها سواء في مجال اختصاصها والمدة التي سيغطيها عملها المحدد في 1999 دون الاهتمام بالانتهاكات التي مورست بعد ذلك التاريخ وأيضا في التصور لمطلب عدم الإفلات من العقاب واعتباره ضغينة ورغبة في الانتقام.
واعتبرت الجمعية أن الهيئة لا تنطبق عليها معايير اللجنة المستقلة للحقيقة التي طالبت بها المناظرة الوطنية للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان . إلا أنه بالرغم من هذه الانتقادات، أعلنت الجمعية عن تبنيها للمتابعة النقدية والاقتراحية لعمل الهيئة وتفاعلت إيجابيا مع أغلب أنشطتها وبعد الإعلان عن النتائج والتوصيات اعتبرناها غير كافية لطي صفحة الماضي ولا تستجيب لكل التوصيات التي أصدرتها المناظرة المذكورة سابقا وفي نفس الوقت طالبنا بتنفيذها على أرض الواقع . والجمعية المغربية لحقوق الإنسان لها مقاربتها الخاصة فهي تعتبر أن الملف لن يجد حله إلا على أساس إعمال المعايير الدولية ذات الصلة والمرتكزة على الحقيقة الشاملة ــ بشأن الكشف عن كافة الانتهاكات وبشأن تحديد المسؤوليات عنها ــ وعدم الإفلات من العقاب، والإنصاف بمختلف جوانبه : (جبر الضرر الفردي والجماعي، حفظ الذاكرة، الاعتذار الرسمي للدولة)، وتشييد متطلبات بناء دولة الحق والقانون كأساس لعدم تكرار الانتهاكات الجسيمة مستقبلا، و كذا على أساس معالجة الانتهاكات الجسيمة في مجال الحقوق السياسية والمدنية بموازاة مع معالجة الانتهاكات الجسيمة الناتجة عن الجرائم الاقتصادية.
إن ما ينطبق على هذا الوضع هو مقولة «كم حاجة قضيناها بتركها» . إن أهم التوصيات لم تعرف طريقها للتنفيذ وأبرزها الكشف عن الحقيقة في ملف المختطفين الذي لم يستكمل وفي مقدمتهم ملف المهدي بنبركة الذي عملت الدولة على عرقلة العدالة الفرنسية بشكل واضح بشأنه، الاعتذار الرسمي العلني للدولة، التوصية المتعلقة بإلغاء عقوبة الإعدام وانضمام المغرب لاتفاقية روما المتعلقة بالمحكمة الجنائية الدولية والإصلاحات الدستورية التي لم يطلق حتى النقاش حولها وخاصة في جانب التأصيل الدستوري لحقوق الإنسان وإقرار سمو الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان عن التشريع الوطني وإصلاح القضاء بما يجعل منه سلطة مستقلة على مستوى الدستور (فصل المجلس الأعلى للقضاء عن السلطات التنفيذية) وحفظ الذاكرة وترشيد الحكامة الأمنية ووضع إستراتيجية لمناهضة الإفلات من العقاب وإصلاح المنظومة التربوية والثقافية وتوسيع مجال التربية على حقوق الإنسان ...
إذن توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة مازالت تنتظر التنفيذ ونحن نعتبر أن المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بين عجزه التام في متابعة تنفيذ هذه التوصيات ويجب أن تطرح مباشرة إلى الأجهزة التنفيذية للدولة لتتحمل مسؤوليتها كاملة في هذا المجال لأن هذا مرتبط بوجود إرادة سياسية فعلية لدى المسؤولين والتي على أية حال تتناقض مع الوضع المتردي لحقوق الإنسان في البلاد والمتسم بتراجعات خطيرة على مستويات عدة.
إننا في مرحلة من التراجعات لم يعد من الممكن إخفاؤها، فلم تعرف الصحافة هذا النوع وهذا الكم من المحاكمات من قبل والذي يستنتج منه هو وجود رغبة في تقزيم دور الصحافة وترهيب الصحافيين وتخويفهم ليمارسوا الرقابة الذاتية كما كان في ما يعرف بسنوات الرصاص علما أن الصحافة الحرة هي احد أعمدة الديمقراطية.
إن حرية التعبير بشكل عام تعرف العديد من الانتهاكات كمنع محاضرات بعض المفكرين واعتقال النشطاء الحقوقيين، آخرهم شكيب الخياري، بسبب تصريحاتهم واستصدار أحكام جائرة ضدهم، واعتقال النشطاء الصحراوين بسبب آرائهم السياسية أو الطلبة في عدد من المدن الجامعية أو العديد من الإسلاميين بسبب الآراء السياسية التي يعبرون عنها سلميا وقمع الوقفات الاحتجاجية السلمية في العديد من المدن أو محاكمة أعضاء النهج الديمقراطي بسبب التعبير عن موقفهم الداعي لمقاطعة الانتخابات أو إقفال مواقع إلكترونية خارج نطاق القانون، وحصار جماعة العدل والإحسان تعسفا منذ ثلاث سنوات والتضييق على عدد من الجمعيات بحرمانها من وصل الإيداع .. إلى غير ذلك من الخروقات.
ويرتبط مجال حرية التعبير وحرية الصحافة - ككل المجالات ذات الصلة بالحقوق والحريات- بوضعية القضاء فكما وظف خلال ما يعرف بسنوات الرصاص في تبييض الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان مازال يستعمل من طرف الدولة لاستصدار أحكامه الجائرة ضد الصحافيين وكل ضحايا قمع حرية الرأي وذلك بتنظيم محاكمات تغيب فيها شروط المحاكمة العادلة.
كما أن وضع بلادنا لخطة وطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، مشروع مجتمعي كبير ذو أهمية قصوى بالنسبة للمجتمع ككل ولا يمكن تحقيقه في غياب الإرادة السياسية الحقيقية والعميقة في تشييد دولة الحق والقانون ومجتمع المواطنة بدءا بالتخلي عن المنهجية الحالية لتدبير ملف حقوق الإنسان، وتنفيذ كافة التوصيات الصادرة عن هيأة الإنصاف والمصالحة والانطلاق في إنجاز الأرضية المواطنة للنهوض بثقافة حقوق الإنسان والتجاوب مع التوصيات التي أصدرتها الهيآت الأممية ووقف التراجعات في مجال الحريات الفردية والجماعية ووضع حد لسياسة الإفلات من العقاب في الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان إضافة إلى إقرار الحد الأدنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لضمان كرامة المواطنين والمواطنات.
كما أن وضع هذه الخطة الوطنية يجب أن يتضمن المصادقة دون تحفظات على مجمل المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وإقرار دستور ديمقراطي وقوانين تتلاءم ومعايير حقوق الإنسان وتشييد قضاء مستقل، نزيه وكفء يحمي الحقوق والحريات.
وهذا الجانب التاريخي ينطبق أيضا على الحركة الحقوقية المغربية التي تأسست في مرحلة عرفت قمعا دمويا ومواجهة قوية من طرف الحكم ضد معارضيه حيث أثرت تلك الشروط في تحديد ليس الأولويات بل مهمة الحركة الحقوقية في حد ذاتها ولم ينطلق العمل الفعلي في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلا في بداية التسعينات إلا أن التراجعات التي عرفتها بعض المكاسب الجزئية التي تحققت في التسعينات في مجال الحريات والحقوق السياسية والمدنية أثر من جديد على محاولات التوازن بين الصنفين من الحقوق. ويرجع هذا التفاوت أيضا إلى تأثر الحركة الحقوقية المغربية بآليات عمل المنظمات الأوربية بالأساس نظرا للدور الهام الذي لعبته في التضامن مع ضحايا سنوات الرصاص ودعمهم للحركة الديمقراطية المغربية (فمنظمة العفو الدولية مثلا تكلمت أول مرة عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية سنة 1994 أي 30 سنة بعد تأسيسها) بينما لا نعرف الكثير عن تجربة الحركة الحقوقية بأمريكا الجنوبية أو في بعض الدول الأسيوية التي تملك خبرة في النضال من أجل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لدرجة أنه عندما تثير الجمعية المغربية على سبيل المثال ملف الحقوق الشغلية وحقوق العمال تنتقد بكونها تقوم محل النقابات وعندما تهتم بالقدرة الشرائية للمواطنين وحرمانهم من الحق في العيش الكريم تتهم بأنها تقوم مقام الأحزاب السياسية في الوقت الذي يدخل كل هذا ضمن مهام الجمعيات الحقوقية لأنه يمس حقوقا منصوصا عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي مواثيق أخرى. ونحن في مرحلة يجب فيها فعلا تكثيف جهودنا وتطوير أدائنا في اتجاه فرض احترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بسبب التردي الكبير الذي عرفته.
ولعل أكبر مشكل يواجه الجوانب الإيجابية في مدونة الأسرة هو مشكل التطبيق بشكل عام الذي اصطدم من جهة بالعقلية المتحجرة السائدة وسط القضاء ومن جهة أخرى بعدم توفير الإمكانيات الضرورية من بنيات تحتية وموارد بشرية من طرف الدولة لضمان شروط التطبيق له. أما أشكال تغيير هذا الوضع فيمكن إجماله في ملاءمة المدونة الحالية مع الاتفاقية الدولية لمناهضة كل أشكال التمييز ضد المرأة في صيغة لا تحمل كوابح تنفيذها بداخلها من تناقضات بين موادها وهامش كبير للتأويل المتروك للقاضي كما يجب توفير الإمكانيات الكافية لتكوين القضاة والبنيات التحتية والموارد البشرية المرافقة وتعريف بحقوق المرأة على أوسع نطاق علما أن الوضع الحالي للقضاء كأكثر القطاعات التي تنخره الرشوة والفساد يعثر كثيرا التطبيق السليم لكل القوانين، كما أن حقوق المرأة غير قابلة للتجزيئ فتمتعها بالحقوق المدنية هو رهين بمدى تمتعها بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أيضا.
فالانتخابات في المغرب ليست لحظة ديمقراطية بل محطة تجارية بامتياز تنتعش فيها عملية البيع والشراء للتزكيات وللترشيحات وللأصوات ولعملية الدعاية الانتخابية وعند عقد التحالفات، كما أن الأجهزة المنتخبة ليس لها ما يكفي من الصلاحيات والاستقلالية عن الأجهزة التنفيذية لتتمكن الأحزاب المنتخبة من تنفيذ برامجها، والانتخابات تتم في غياب ثلثي المواطنين المفروض مشاركتهم فيها إضافة إلى التقطيع الانتخابي الذي يستعمل للتحكم المسبق في النتائج مع استمرار انحياز الإدارة واستمرار استعمال المال العام والممتلكات العمومية من طرف البعض.
إن هذا الوضع إضافة إلى عقود من القمع الدموي ضد الأحزاب السياسية المعارضة وضد العمل السياسي بشكل عام مع تشكيل أحزاب من طرف الإدارة ساهم في تمييع العمل السياسي مازالت نتائجه مستمرة في غياب تصالح بين السلطة والمجتمع الذي أجهضت تجربة الإنصاف والمصالحة فرصة انطلاقه. كل هذا ينضاف إلى عودة ظاهرة حزب الدولة في الانتخابات الأخيرة الذي تمكن بعد بضعة أشهر من تأسيسه من الحصول على أكبر عدد من الأصوات والمقاعد. فالعوائق والعقبات كثيرة تلك التي تقف دون انتقال ديمقراطي وعلى رأسها استمرار الدستور غير الديمقراطي الحالي الذي يشرعن الاستبداد ولا يمكن الشعب المغربي من تقرير مصيره كما تنص على ذلك المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
إن أهمية التشخيص لوضعية القضاء الذي قامت به الجمعيات المشاركة في بلورة هذه المذكرة، هو إدراج العراقيل الدستورية لاستقلالية القضاء، وهو ما سيضع التحرك من أجل الاستجابة للتوصيات والمطالب المتضمنة في هذه المذكرة يرتبط بجزء من التحرك المطلوب لإقرار دستور ديمقراطي.
وفي الجمعية المغربية لحقوق الإنسان نعتبر أن أي إصلاح فعلي للقضاء لا يمكن أن يتم إلا برفع مكانته في الدستور إلى درجة سلطة مستقلة حتى لا يظل مجرد جهاز تحت وصاية السلطة التنفيذية. إضافة إلى أن هذا الإصلاح يتطلب بالضرورة وضع دستور ديمقراطي في كل مضامينه، وفي طريقة بلورته، وأشكال التصديق عليه، بما يقر فصلا حقيقيا للسلط بما فيها الفصل بين الدين والدولة وأيضا الإقرار بسمو القانون الدولي على القانون المحلي.
طبعا ينضاف إلى ذلك جودة التكوين وشروط التأهيل لممارسة مهنة القضاء إضافة إلى ظروف العمل لكل المهن المرتبطة بالقضاء وأيضا حق القضاة في التنظيم النقابي ليحموا انفسهم من التعسفات والدفاع عن مصالحهم المادية والمعنوية.
في ظل الواقع الحالي للقضاء، كيف يمكن أن نضمن تحقيق المحاكمة العادلة؟ وما الشروط والمستلزمات التي ترونها أساسية لضمانها؟
في ظل الواقع الحالي للقضاء لا يمكن الحديث عن المحاكمة العادلة لأن أول وأهم ضمانة للمحاكمة العادلة هو استقلال القضاء الذي يفتقده القضاء في المغرب، إضافة إلى عدد من الشروط التي تغيب أيضا منها ما يتعلق بالقضاة مثل ما ينص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من "حق أعضاء السلطة القضائية كغيرهم من المواطنين التمتع بحرية التعبير والاعتقاد وتكوين الجمعيات والتجمع". أي أن " تكون للقضاة الحرية في تكوين جمعيات للقضاة أو غيرها من المنظمات لتمثيل مصالحهم والنهوض بتدريبهم المهني وحماية استقلالهم القضائي، وفى الانضمام إليها،ثم هناك ما يهم حقوق المواطنين و من أهمها مساواة المواطنين أمام القضاء، الحق في التحقيق في مزاعم التعذيب و عدم الاستشهاد بالاعترافات المنتزعة تحت التعذيب، الحماية من الاعتقال التعسفي، الحق في إبلاغ أسرة المتهم بخبر الاعتقال، احترام مبدأ قرينة البراءة، الحق في علانية المحاكمة، الحق في أوضاع احتجاز إنسانية، الحق في استدعاء شهود النفي، الحق في الترجمة عند عدم التواصل باللغة الرسمية للبلد، وغيرها
.
ويعلم الجميع أن العديد من هذه الضمانات غير محترمة في المغرب ليس في المحاكمات ذات طابع سياسي فقط، ولكن ايضا في المحاكمات بخصوص قضايا الحق العام هي الكثيرة عددا، إضافة إلى محاكمات الرأي ومحاكمات الصحافة والنشطاء الحقوقيين وأغلب محاكمات التي تندرج في ملف مكافحة الإرهاب ومحاكمة النقابيين وكل المحاكمات في ما يسمى بالمس بالمقدسات...
ومن البديهي أيضا أنه لا يمكن أن نتحدث عن احترام الحق في المحاكمة العادلة في ظل قضاء ينخره الفساد .
وقد أكدت إحدى دراسات جمعية مناهضة الرشوة بالمغرب أن القضاء هو الجهاز الذي تنتشر فيه الرشوة بشكل أكبر.
إن الجواب عن هذا الوضع هو احترام شروط وضمانات المحاكمة العادلة وهو كما يستوجب قيام قضاء مستقل والذي ينص عليه دستور ديمقراطي شكلا ومضمونا وتصديقا وقضاء نزيها وكفئا لا يمكن تشييده إلا في إطار دولة الحق والقانون التي يعتبر القضاء المستقل شرطا من شروطها وأيضا إحدى الضمانات لاستمرارها.
.
والنظام السياسي الذي لا يحترم التوزيع العادل لفوائد التنمية كما جاء في الإعلان المذكور يعرقل الحق في التنمية للشعب، كما لا تكون التنمية دون احترام الحق في المشاركة التي تتطلب احترام الحقوق السياسية والمدنية للمواطنين والمواطنات.
انطلاقا من هذا، نعتبر في الجمعية أن الدستور المغربي الحالي الذي يعرقل قيام الديمقراطية هو معيق أيضا للتنمية كما نعتبر أن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان السياسية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية ونطالب باستمرار بجعل حد للمتورطين في الصنفين والذي في كل الأحوال غالبا ما يكونون نفس المنتهكين.


